الديمقراطية وإنفلونزا الثورات
فهد السلمان - جريدة الرياض
أحياناً يبدو لي المشهد في العالم العربي على النحو التالي :
بوفاة بوعزيزي الدرامية عطست تونس فوجدت نفسها أمام ثورة شعبية طار على إثرها ابن علي، وعندما مسحت الثورة أنفها بكسر حاجز الخوف لم تجد لنفسها رداءً تتدثر به سوى الديمقراطية، في هذه الأثناء بلغ الرذاذ وادي النيل فاحتقن ميدان التحرير وطار مبارك لأن الجسم السياسي العربي غير محصن إلا بحصانة الخوف، وعندما انهار النظام تلفتت الثورة فاكتشفت أن أفضل غطاء يمكن أن تحمي به نفسها هو الغطاء الديمقراطي المصنوع أساسا في الغرب، فارتداه حتى من لا يؤمن بالغرب ولا بنظرياته، ولولا الخشية من أن تغص الكلمة في حلقي لقلت : حتى من استعدى كل ما يأتي من الغرب، ثم هبت الريح مجددا فأعادت فيروس الثورات إلى من كان يتوهم أن نظريته الثالثة ستكون بمنأى عنها، مقتنعاً بأنه لا يسكن الخيمة ولا قصر العزيزية، وإنما في قلوب الليبيين، ليحدث الشيء ذاته بعد أن طويت الخيمة إلى الأبد، لتندفع الثورة إلى الديمقراطية، وهكذا الحال في اليمن ، وسورية على الطريق.
كل هذه الثورات تريد أن تستنبت الديمقراطية كما لو كانت نباتا فطريا، ودون أي بذور.
حالة التيه هذه التي أفرزتها الثورات العربية لم تجد مناصا لتغطية ذاتها إلا باستدعاء الديمقراطية، وهي التي ظلت على مدى ما يزيد على نصف قرن عاجزة عن توفير أدنى متطلباتها، لذلك عادت إلى نفس الخطأ التاريخي الذي سخر منه المفكر وعالم الاجتماع الشهير علي الوردي قبل خمسين عاما حينما انتقد من يقول : خذوا من الغرب محاسنه واتركوا مساوئه، مؤكدا أن الأمر ليس انتقاء بطيخ، لأن الحضارة جهاز مترابط لايمكن تجزئته، لذلك فهي حين تأتي.. تأتي بحسناتها وسيئاتها. والديمقراطية كمنتج غربي، هي كأي منتج غربي آخر كالسيارة مثلا لايمكن أن نستوردها ثم نستبدل الوقود بالماء لنجعلها تسير، إلى جانب أنها البنت الشرعية للأنظمة العلمانية شئنا أم أبينا هذه حقيقة، إلا إذا كنا سنظل نتوهم أن تطبيقاتها الخجولة في كل من الكويت ولبنان نماذج مقنعة لنا فهذي هي الكارثة.
المتفائلون في مجتمعاتنا يقولون : إن الغرب احتاج سنوات طويلة من التجارب لإقامة نظامه الديمقراطي، ولكن هؤلاء ينسون أو يتناسون ماذا فعل الغرب خلال تلك السنوات لبناء ديمقراطياته، حيث أمضى كل ذلك الوقت لبناء ثقافة اجتماعية ديمقراطية، وليس فقط في تأمين صناديق الاقتراع وأحبار البصمة.
وهنا علينا أن نحسب فارق الوقت الذي قطعته تجربتا لبنان والكويت، وماذا أُنجز فيه على صعيد الثقافة الديمقراطية، بعيدا عن الجانب الآلي. لذلك أريد فقط من يدلني على تجربة ديمقراطية واحدة قامت ولو بنصف ساق في مجتمعات مؤدلجة.
صحيح أن الثورة الفرنسية قطعت رأس لافوازييه مكتشف الأكسجين بحجة أن الثورة تحتاج إلى مناضلين لا إلى علماء ، لكنها سرعان ما استفاقت وأسست مشروعها الفكري أما الحالمون بديمقراطية تجد فيها القبيلة والعشيرة والطائفة والجماعة والمذهب موطئ قدم، فلا أتصور أنها ستقوم إلا بمعجزة.
لذلك فإنّ أخشى ما يجب أن نخشاه بعد أن عرفت هذه الجماهير الطريق إلى ميادين التحرير، وعرف بعضها استخدام السلاح أن نكون إزاء ثورة تلد أخرى.