هل يكفر تارك الصلاة
المجيب فضيلة الشيخ/ سلمان بن فهد العودة
السؤال
هل يجب في إسقاط الحكم على رجل مات ولا أحد شهد أنه صلى إلا أن هناك بعض أصدقائه يقول إنه كان ينوي بدأ الصلاة يوم عيد الفطر إلا أن المنية وافته قبل ذلك ، فهل يجب قبل إسقاط الحكم ـ حكم تارك الصلاة ـ عليه من انتفاء الموانع واستفاء الشروط ؟
ثم ألا يوجد في تاريخ الأمة أخبار عن تعامل الناس عملياً مع إنسان مات وعرف عنه أنه ما كان يصلي ؟
نحن شباب في شمال إيطاليا نعتقد بكفر تارك الصلاة إلا أنه ينقصنا العلم في كيفية التعامل مع حالة واقعية عينية مثل التي ذكرت لفضيلتكم فما هو التعامل الصحيح العملي في مثل هذه الحالة ؟
وجزاكم الله عنا كل خير .
الجواب
مسألة ترك الصلاة اختلف فيها السلف ، فنقل عبدالله بن شقيق أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة .
وذهب أكثر الأئمة المتبوعين إلى عدم تكفير تارك الصلاة ، وعن الإمام أحمد في هذه المسألة روايتان .
وذهب جماعة من الأئمة إلى أنه لا يكفر بعينه إلا بحكم حاكم أو قاضٍ يقضي بكفره عيناً .
والذي نعلمه كما حكاه ابن قدامه في المغني وغيره أنه لم يكن المسلمون يأخذون أحداً بمثل هذا ، ولم يقتل فيه أحد ، ولا حرم الميراث ، ولا تركت الصلاة عليه ، ولا رفض دفنه في مقابر المسلمين ، وإن كان لا يمكن القطع بنفي حصول شيء من هذا البتة ، لكن لم يكن هذا معمولاً به ، ولم ينقل .
والأصل في المسلم البقاء على الإسلام ، ولا ينبغي أن تكون أعراض المسلمين كلأً مباحاً ، ولا ميداناً مكشوفاً ، فقلّ مسلم إلا وهو يصلي الفينة بعد الفينة ، وقد يصلي الجمعة ، أو في رمضان ، أو في المناسبات ، أو في فترات ترقي الإيمان ، أو عند المرض أو ما شابه ذلك ، وهذا يمنع من التكفير .
والإطلاع على بواطن الناس أمر متعذر أو متعسّر ، حتى الزوجة لا تدري ما يقع من زوجها خارج المنزل ، والأصحاب قد لا يدرون ما يقع منه داخل المنزل ، ولا أحد يدري إلا الله ما فرط منه في غابر زمانه ، ولذلك مازال المسلمون عبر العصور يتناكحون ويتوارثون ، ويصلي بعضهم على بعض ، ويدفن بعضهم بعضاً .
ولم ينقل فيما نعلم ـ والله أعلم ـ أن رجلاً من المسلمين رميت جيفته في الصحراء من غير تغسيل ولا تكفين ولا صلاة بحجة أنه تارك للصلاة .
وعلى وجه الخصوص لم يثبت هذا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا في عهد الخلفاء الراشدين بحيث يكون حجة شرعية أو إجماعاً قائماً .
ومعروف أن أهل السنة يفرقون بين الحكم على الفعل بأنه كفر أو شرك أو بدعة ، وبين الحكم على المعين ، وحكى ابن تيمية إجماعهم على هذا .
ولذلك فحتى على القول بكفر تارك الصلاة ، فلا بد من معرفة معنى الترك وأنه لا يعني ترك وقت أو وقتين أو يوم أو يومين ، بل يعني الترك بالكلية ، فلا يدخل في ذلك من يصلي ويترك .
ولا بد من توفر الشروط وتحقق الأهلية في المعين ، وزوال الموانع والعوارض كالجهل وقلة العقل وغيرها .
والأولى الاحتياط بحيث يحجم المرء عن الحكم على الأعيان بالكفر أو الردة أو الشرك ما دام ثمت احتمال ولو كان يسيراً ، ولا يضره ذلك ، وإنما الذي يضر هو الجراءة على المسلمين بالتكفير ، ولقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك أشد التحذير حتى قال : ( من قال لأخيه : يا كافر فقد باء بها أحدهما ) .
وقال في الحديث الآخر : ( ما دعا رجل على رجل بالكفر ، أو قال : يا كافر ، وليس كذلك إلا حار عليه ) يعني : رجع عليه ، وهذا وعيد شديد ، وتحذير أكيد.
وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الآخر الصحيح : ( لعن المسلم كقتله ) فما بالك فيمن يكفره ، والكفر أشد من اللعن ، مع ما ورد في القرآن من وعيد القاتل .
فالحزم أن يتقي المرء تكفير الأعيان والأشخاص ، ويكتفي بتقرير المسائل عامة ، ولا يحكم على فلان أو فلان ما وجد سبيلاً إلى ذلك .
أسأل الله أن يصلح أحوالكم ويأخذ بنواصيكم لما يحب ويرضى .
هذه فتوى ابن باز عليه رحمة الله .
حكم تارك الصلاة
هل تارك الصلاة يكفر كفراً يخرجه عن ملة الإسلام أم لا؟
تارك الصلاة على حالين: إحداهما: أن يترك الصلاة مع الجحد للوجوب، فيرى أنها غير واجبة عليه وهو مكلف، فهذا يكون كافراً كفراً أكبر بإجماع أهل العلم، فمن جحد وجوبها كفر بإجماع المسلمين، وهكذا من جحد وجوب الزكاة، أو جحد وجوب صوم رمضان من المكلفين، أو جحد وجوب الحج مع الاستطاعة، أو جحد تحريم الزنا، وقال: إنه حلال، أو جحد تحريم الخمر، وقال: إنه حلال، أو جحد تحريم الربا، وقال: إنه حلال. كل هؤلاء يكفرون بإجماع المسلمين.
الحالة الثانية: من تركها تهاوناً وكسلاً وهو يعلم أنها واجبة، فهذا فيه خلاف بين أهل العلم، فمنهم من كفره كفراً أكبر. وقال: إنه يخرج من ملة الإسلام ويكون مرتداً، كمن جحد وجوبها فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه إذا مات، ولا يُدفن مع المسلمين ولا يرثه المسلمون من أقاربه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة))[1] رواه مسلم وهذا صريح منه صلى الله عليه وسلم بتكفيره.
والكفر والشرك إذا أطلق بالتعريف هو الكفر والشرك الأكبر. وقال عليه الصلاة والسلام: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر))[2] خرجه الإمام أحمد، وأهل السنن الأربعة بإسناد صحيح عن بريدة رضي الله عنه، مع أحاديث أخرى جاءت في الباب.
وقال آخرون من أهل العلم: إنه لا يكفر بذلك كفراً أكبر بل هو كفر أصغر؛ لأنه موحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويؤمن بأنها فريضة عليه وجعلوها كالزكاة والصيام والحج لا يكفر من تركها إنما هو عاص، وقد أتى جريمة عظيمة ولكنه لا يكفر بذلك الكفر الأكبر.
والصواب القول الأول؛ لأن الصلاة لها شأن عظيم، غير شأن الزكاة والصيام والحج. وهي أعظم من الزكاة والصيام والحج.
وهي تلي الشهادتين وهي عمود الإسلام. كما قال عليه الصلاة والسلام: ((رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة))[3].
ومن ذلك ما ثبت في الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما في مسند أحمد بإسناد جيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الصلاة يوماً بين أصحابه فقال: ((من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وحشر يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف))[4] قال بعض أهل العلم: إن حشره مع هؤلاء يدل على أنه كافر كفراً أكبر؛ لأن حشره مع رؤوس الكفرة يدل على أنه قد صار مثلهم. أهـ.
[1] أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة برقم 82.
[2] أخرجه أحمد في المسند، باقي مسند الأنصار حديث بريدة الأسلمي رضي الله عنه برقم 22428.
[3] أخرجه أحمد في المسند، مسند الأنصار حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه برقم 21563.
[4] أخرجه أحمد في مسند المكثرين من الصحابة مسند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه برقم 6540.
مجموع فتاوى ومقالات متنوعة المجلد التاسع والعشرون
[أبو ماجد] [ 08/08/2010 الساعة 5:53 صباحاً]
بارك الله في الشيخ سلمان وأمد في عمره ، ليت شيوخ التكفير يتحلون بعلمه وأدبه واعتداله .
[يزيد ابو سعود ] [ 30/07/2010 الساعة 7:25 مساءً]
جزا الله الشيخ الجليل سلمان العوده خير الجزاء ونفع بعلمه المسلمين انه سميع مجيب ، هذا هو خطاب الاعتدال فقد ذكر الشيخ ما حدث بالفعل حيال تارك الصلاة فلم يغالي ولم يتجه لأشغال الناس بحكم شديد لحالة معينه جعلها هي الحكم الوحيد بل سرد وباختصار تفاعل المسلمين مع حالة تارك الصلاة عبر التاريخ فقال الحقيقه بكل نزاهه خوف من الله عز وجل ونسأل الله ان لا يعيد لنا زمن المغالاة في الفتوى التي نفرت المسلمين وغيرهم من دينهم وجعلتهم يعيشون في خوف شديد وفي شك من كل شي