تعاودني الرغبة دوما للكتابة عن الفقر، ليس لشيء سوى أنني لا أفهم حتى اللحظة تلك الشروط التي يجب توافرها في الشخص ليستحق ــ بجدارة ــ تعاسة هذا المسمى. هذا التساؤل راودني ونحن على عتبة الشهر الكريم، حيث قوافل المساعدات تجوب القرى والهجر لتساعد المحتاج: فهل تذهب الصدقات حقا لمحتاجيها أم أنها تأخذ طريقها لجيوب أخرى؟
أقول ذلك وأنا أستحضر منظرا لأغنياء وميسوري حال وهم يجلسون بانتظام في الصف الأول عند توزيع أية إعانات. يحصل أولئك على امتياز من شيخ القبيلة يمنحهم بموجبه عطاء جادت به وزارة الشؤون الاجتماعية أو رجل أعمال، ليعودوا لاحقا إلى منازلهم ببضع بطانيات وأكياس أرز وسكر وأشياء أخرى تكفيهم أشهرا، في الوقت الذي يتعارك فيه بقية المحتاجين على ما تبقى من كيس أرز، هذا إن تركوه لهم.
أستحضر دوما مشهد الفقر والحاجة الذي يكتسح عشرات المنازل الميسورة الحال عند قدوم إعانات الصيف أو الشتاء. يتحول أولئك فجأة إلى فقراء مؤقتين. بل أعرف اليوم أشخاصا يصطفون مساء ليأخذوا راتبهم وضمانهم مع الفقراء، فيما هم ذاتهم الذين كانوا يجلسون في الصباح على مقاعد الانتظار في صالات البنوك لإيداع أضعاف ما يأخذونه من الوزارة ظلما. هم الأغنياء صباحا والفقراء مساء في مجتمعي. وهم الذين فازوا بامتيازات المحتاجين عندما غاب الضمير. فهل هؤلاء هم الفقراء الذين تريدهم الوزارة؟
ما أريد قوله هو أن مساعدات وزارة الشؤون الاجتماعية تخطئ طريقها دوما في تلك القرى والهجر البعيدة عن العين، ولتتيقنوا: رافقوا إحدى تلك القوافل في رحلتها إلى هناك وشاهدوا كيف لا يبقى للفقراء الحقيقيين في زحمة ميسوري الحال سوى حبة أرز وسكر. وكل تلك الفوضى معلقة بخروج هذه المساعدات من نظامها الإداري الصارم إلى (نظام الفزعة والقبيلة) تحت إشراف من تنقصهم الحكمة والعلم.
أخيرا لوزارة شؤون أولئك المحتاجين: يرجوكم هؤلاء بسرعة بإعادة ترتيب أوراق مجتمعاتهم البائسة، وإيقاف مهزلة المحاباة والتمييز وربط مصير المسكين بورقة وختم. هؤلاء متعففون سيأكلهم جشع الأغنياء في تلك القرى.